الشيخ محمد هادي معرفة

188

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الأولين والآخرين حتّى يستطيع إملاءها على مثل محمّد صلى الله عليه وآله ؟ ! ولماذا لم يدع هو النبوّة بدل محمّد صلى الله عليه وآله إذا كان هو الأصل ومحمّد صلى الله عليه وآله الفرع ؟ ! لذا كانت تهمتهم هذه اعترافا منهم بأنّ هذه الأنباء لا يمكن أن يأتي بها محمّد صلى الله عليه وآله من عند نفسه ، ولكن تمويها وتضليلًا على الناس وخداعا لأنفسهم فليلصقوها بأحد من أتباعه أو سائر آحاد الناس ، ورواجا لفريتهم هذه ليكن ذلك المملي شخصا غريبا عن قريش ، لعلّ في ذلك زيادة تضليل وتمويه . فليكن صهيب الرومي أو سلمان الفارسي أو بلعام الرومي وكان قينا بمكّة نصرانيا ، أو عبدا لبني الحضرمي يقال له : يعيش أو عائش أسلم وحسن إسلامه ، أو غلامين نصرانيّين كانا في الجاهلية من أهل عين تمر اسم أحدهما يسار والآخر خير . كانا صيقلين بمكّة يقرءان كتابا لهما بلسانهم ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله ربّما مرّ بهما واستمع لقراءتهما ، قالوا إنّما يتعلّم منهما . « 1 » الأمر الذي تولّى القرآن الردّ عليه بقوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً . وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » . « 2 » « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » . « 3 » يقول الإمام الرازي - بشأن دلالة القصّة على صدق الرسالة - : إنّ دلالتها من وجهين : أحدهما : كما قال تعالى في سورة الشعراء بعد ذكر القصص : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ » . « 4 » وجه الاستدلال أنّه صلى الله عليه وآله لمّا لم يتعلّم علما ولم يقرأ كتابا ولم يتتلمذ لُاستاذ استحال منه عادةً دراية هذه القصص

--> ( 1 ) - راجع : مجمع البيان ، ج 6 ، ص 386 . ( 2 ) - الفرقان 4 : 25 - 6 . ( 3 ) - النحل 103 : 16 . ( 4 ) - الشعراء 192 : 26 - 194 .